فصل: (الماء النازل من السماء):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معجزات القرآن العلمية



.(عملية خَلق النبات حسب تسلسلها في آية الأنعام):

وإذا تابعنا عملية خَلق النبات حسب تسلسلها في آية الأنعام - 99 - وجدناها موضحة بعوامل خلق ثلاثة، وهي كما يأتي:
1- عامل الخلق الأول لكل النبات: هو الماء؛ {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْء}.
2- عامل الخلق الثاني: هو المادة الخضراء التي تشير إليها الآية بكلمة {خَضِراً}؛ {فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً}.
3- عامل الخلق الثالث: وهو إخراج الحب والثمر المتباين والمختلف حجما وشكلا، بين قمح وعنب ورمان وزيتون... الخ. قال تعالى: {نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}.
والحبّ المتراكب كالسنابل وأمثالها، والقنوان جمع (قنو)، وهو الفرع الصغير، وفي النخلة هو (العذق) الذي يحمل الثمر، ولفظة {قِنْوَانٌ} ووصفها {دَانِيَةٌ} يشتركان في إلقاء ظل لطيف أليف، وظل المشهد كله ظل وديع حبيب..، {وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ}.. {وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ}.. هذا النبات كله بفصائله وسلالاته - {مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} - أي: (مشتبها في الخلق مختلفا في الطعم)، أو (بعضه متشابه وبعضه غير متشابه في القدر واللون والطعم)، {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}.. انظروا بالحس البصري والقلب اليقظ، انظروا إليه في ازدهاره، وازدهائه عند كمال نضجه، انظروا إليه واستمتعوا بجماله.. لا يقول هنا: كلوا من ثمره إذا أثمر، ولكن يقول: {انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ}؛ لأن المجال هنا جمال ومتاع، كما أنه مجال تدبر في آيات الله، وبدائع صنعته في مجال الحياة.

.(الماء النازل من السماء):

والآية الكريمة من سورة الزمر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ...} الآية - توجه الأنظار للتأمل والتدبر في ظاهرة تتكرر في أنحاء الأرض، حتى لتذهب بجدتها وما فيها من عجائب في كل خطوة من خطواتها..؛ فهذا الماء النازل من السماء.. ما هو وكيف نزل؟.. إننا نمر بهذه الخارقة سراعا لطول الألفة وطول التكرار، إن خلق الماء في ذاته خارقة، ومهما عرفنا أنه ينشأ من اتحاد ذرتَيْ أيدروجين بذرة أكسوجين تحت ظروف معينة؛ فإن هذه المعرفة خليقة أن توقظ قلوبنا إلى رؤية يد الله التي صاغت هذا الكون بحيث يوجد الأيدروجين ويوجد الأكسوجين، وتوجد الظروف التي تسمح باتحادهما، وبوجود الماء من هذا الاتحاد، ومن ثم وجود الحياة في هذه الأرض.. ولولا الماء لما وجدت
حياة، إنها سلسلة من التدبير حتى نصل إلى وجود الماء ووجود الحياة، والله من وراء هذا التدبير وكله مما صنعت يداه..
ثم نزول هذا الماء بعد وجوده، وهو الآخر خارقة جديدة ناشئة من قيام الأرض والكون وفق نواميس قدرها الله في هذا الكون، ودبر حركتها ونتائجها؛ فسمح بتكون الماء ونزوله، ثم تجيء الخطوة التالية لإنزال الماء: {فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ}..
سواء في ذلك الأنهار الجارية على سطح الأرض، والأنهار الجارية تحت طباقها مما يتسرب من المياه السطحية، ثم يتفجر بعد ذلك ينابيع وعيونا، أو يتكشف آبارا؛ ويد الله تمسكه فلا يذهب في الأغوار البعيدة التي لا يظهر منها أبدا!!.. {ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ}..
والحياة النباتية التي تعقب نزول المطر وتنشأ عنه، خارقة يقف أمامها جهد الإنسان حسيرا، ورؤية النبتة الصغيرة وهى تشق حجاب الأرض عنها، وتزيح أثقال الركام من فوقها، وتتطلع إلى الفضاء والنور والحرية، وهى تصعد في الفضاء رويدا رويداً.. هذه الرؤية كفيلة بأن تملأ القلب المفتوح ذكرى، وأن تثير فيه الإحساس بالله الخالق المبدع الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، والزرع المختلف الألوان - في البقعة الواحدة، أو النبتة الواحدة، أو الزهرة الواحدة - إن هو إلاّ معرض لإبداع القدرة، يشعر الإنسان بالعجز المطلق عن الإتيان بشيء منه أصلا!!..
وفي ضوء هذا يتبين لنا بعض أسرار تكرار القرآن الكريم لحديث الماء ونزوله، وما يترتب عليه من أثر عميق في الحياة بما ينبت من الزروع والحدائق، المختلفة الأنواع والأشكال.

.(سكون الأرض وحركتها):

ومن مشاهد الأرض أننا نراها ساكنة لا حركة فيها ولا حياة، فإذا نزل عليها الماء اهتزت وانتفخت وأنبتت من كل زوج بهيج، قال تعالى:
{وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ}..
وقال أيضا: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}..
واهتزاز الأرض تحركها بالنبات، وإحياؤها بعد موتها، ومعنى (ربت) أي: ارتفعت لما سكن فيها من الثرى، ثم أخرجت من جميع ألوان الزروع والثمار المختلفة الألوان والطعوم والروائح والأشكال والمنافع.
(والخشوع: التذلل والتقاصر؛ فاستعير لحال الأرض إذا كانت قحطة لا نبات فيها، كما وصفها بالهمود في قوله تعالى: {وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً}.. وهو خلاف وصفها بالاهتزاز، والربو هو الإنتفاخ إذا أخصبت وتزخرفت بالنبات، كأنها بمنزلة المختال في زيه، وهى قبل ذلك كالذليل الكاسف البال في الأطمار الرثّة. وقرئ (وربأت) أي: ارتفعت؛ لأن النبت إذا هم أن يظهر ارتفعت له الأرض).
وهكذا وصف الله تعالى الأرض بأنها ميتة، وأنه يحييها بالماء الذي يجعلها تهتز وتربو، أى: تتحرك وتنمو، وهذه الحركة العجيبة سجلها القرآن الكريم قبل أن تسجلها الملاحظة العلمية بمئات الأعوام؛ فالتربة الجافة حين ينزل عليها الماء تتحرك حركة اهتزاز، وهى تتشرب الماء وتنتفخ فتربو ثم تحيا بما تنبت من كل زوج بهيج، وهل أبهج من الحياة وهي تتفتح بعد السكون، وتنتفض بعد الهمود.
وهكذا نجد أن القرآن قد عبر عن الأرض قبل نزول الماء، وقبل تفتحها بالنبات، مرة بأنها: (هامدة) ومرة بأنها (خاشعة)، والتعبيران يوحيان بالسكون الذي ما يلبث أن يهتز ويتحرك إذا ابتلت الأرض بالماء.
وبذلك ترتسم لنا معالم الصورة، ويبدو لنا ما خفي عن إدراكنا للحركة الدائبة تحت سطح الأرض؛ فنعلم أن كل المراعي الخضر الزاهرة الوادعة في مظهرها، إنما تخفي تحتها حياة وحركة ونموا بما يمتد في باطن الأرض من جذور، وبما ينبت فوقها من نبات يتغذى منها ويعلو ويثمر.
قال تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ، وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ؛ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ}، وقال تعالى: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ}.
فالماء حين يصيب الأرض يبعث فيها الخصب، و تموج صفحتها بالحياة المنبثقة النامية.. ورؤية الزرع النامي، وتفتح الزهر، ونضج الثمر اليانع، وتزين الأرض بمختلف الألوان مشاهد تلفت العين والقلب إلى القدرة المبدعة؛ ففي كل لحظة يتحرك برعم ساكن من جوف حبة أو نواة فيفلقها ويخرج إلى وجه الحياة، وفي كل لحظة يجفّ أعواد وشجرة تستوفي أجلها فتتحول إلى هشيم أو حطام، ومن خلاَل الهشيم والحطام توجد الحبة الجديدة الساكنة المتهيئة للحياة الإنبات، ويوجد الغاز الذي ينطلق في الجو أو تتغذى به التربة، وتستعد للإخصاب، وفي كل لحظة تدب الحياة في نبات أو حيوان، ويتم التحول من خاصية إلى أخرى..، وإنها لمعجزة لا يدري سرها أحد، ولا يملك صنعها إلا خالق الأكوان؛ ولذا حرص القرآن على توجيه القلب البشري لهذا المشهد المتكرر: {إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ}.
فهذا إثبات قاطع أن الأرض الميتة تخرج النبات الحيّ يتغذى وينمو ويثمر ويموت، جاء في الكشاف: {يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ}: أي الحيوان والنامي من النطف والبيض والحبّ والنوى، ومخرج هذه الأشياء الميتة من الحيوان والنامي.
فإن قلت: كيف قال مخرج الميت من الحي بلفظ اسم الفاعل بعد قوله يخرج الحي من الميت؟
قلت: عطفه على فالق الحب والنوى بالنبات والشجر النامي من جنس إخراج الحيّ من الميت؛ لأن النامي في حكم الحيوان، ألا ترى إلى قوله: {يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا}، {ذَلِكُمُ اللَّهُ} أي ذلكم المحيى والمميت هو الله الذي تحق له الربوبية).
فالحبّ الساكن، والنوى الهامد وهو يفلق باطن الأرض ليخرج منه نبات حي، مشهد يتكرر في كل لحظة.. وفي الشجرة الصاعدة، والنبتة النامية تعبير عن معجزة الحياة نشأة وحركة، وعَلى سرٍّ مكنون لا يعلم حقيقته إلا الله.. وتقف البشرية بعد كل ما رأت من ظواهر الأشياء وأشكالها، وبعد ما درست من خصائصها وأطوارها.. تقف أمام السرّ المغيب كما وقف الإنسان الأول؛ تدرك الوظيفة والمظهر، وتجعل المصدر والجوهر، والحياة ماضية في طريقها، والمعجزة تقع في كل لحظة!!..
ولعل في تنويع نسق التعبير بين (يحرج) و(مخرج) إيقاظا للحس حتى يلتفت للقدرة الباهرة، وهو يعرض آيات الله في الكون.