فصل: (القرآن يلفت البصائر والأبصار إلى سر الحياة ومنشأ النبات وتعدده):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: معجزات القرآن العلمية




.(النبات في عالمنا الفسيح):

النبات في عالمنا الفسيح لسان من ألسنة التقديس والتسبيح للخالق جل جلاله، وهو من جملة بدائع القدرة الإلهية في المخلوقات، من حيث إيجاد الأشجار والثمار والحبوب والبقول والأزهار، والتأمل في كيفية تكوينها وجميل صنيعها، مما يقوي في الإنسان عقيدة الإيمان برب السماوات والأرض وجميع الكائنات...
وإذا كان عالم النبات صفحة في كتاب الله المنظور فإننا نشهد فيه صورة الحياة؛ في حركتها وانتقالها، وفي مراحلها وأطوارها، وفي جمالها المونق البديع الألوان والأشكال، قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لأُولِي الأَلْبَابِ}. وقال أيضا: {أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ}.

.(القرآن يلفت البصائر والأبصار إلى سر الحياة ومنشأ النبات وتعدده):

ها هو ذا القرآن يلفت البصائر والأبصار إلى سر الحياة ومنشأ النبات وتعدده كما يحدثنا أن الزرع والنبات والشجر إنما ينشأ نتيجة تفاعل الماء والتراب والبذور، قال تعالى: {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى، الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى، وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى، وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}.
فالله هو الذي خلق عالمنا كله؛ فسواه تسوية تامة كاملة لا عوج فيها ولا اضطراب ولا نقص ولا زيادة، بل كل شيء فيه في وضعه الصحيح، يؤدي الغرض الذي من أجله خلق؛ فهو {وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى}: أي قدر لكل حي ما يصلحه مدة بقائه، وهداه وعرفه وجه الانتفاع بما فيه من منفعة له، {وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى} أي أنبت النبات جميعه، وما من نبت ينبت إلاّ وهو يصلح أن يكون مرعى لحيوان ما، ثم بعد ذلك أنبت النبات {فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى}، والغثاء: هو الهشيم أو الهالك البالي، والأحوى: الذي يميل لونه إلى لون السواد.
{وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى، فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى..} مثال على كمال الخلق والتسوية والهداية، والغثاء الأحوى إنما هو الفناء والإماتة وإزالة الحياة فكيف ذلك؟..

.(وقفة مع العلم الحديث):

وهنا نقف وقفة قصيرة مع العلم الحديث لننظر ماذا قال هنا:
{فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى} أي جعله بعد خضرته يابساً أسود.
وهل هناك نبات إذا جف صار يابسا أسود؟ لا يوجد فيما نعلم نبات هكذا؟
إذن فكيف أخرج الله تبارك وتعالى المرعى ثم جعله يابساً أسود، كيف ومتى.. ألا ينطبق هذا كل الانطباق على الفحم الحجري الذي تكوّن معظمه في حقب الحياة القديمة حينما ظهر النبات غير المزهر والسرخسيات بكثرة عظيمة، ثم تراكمت فوقها في بعض الجهات رواسب أخرى فتحولت إلى فحم حجري مع طول الزمن وارتفاع الضعط والحرارة؟!.. نعم، وهذا هو الغثاء الأحوى الذي تكلم عنه القرآن الكريم، وعلله فأصاب وأوجز؛ قال وأصاب في وقت كانت فيه مثل هذه الحقائق غريبة على عقول البشر، قال هذا فسبق العلم بقرون عديدة، أفليس هذا إعجازا؟.. بلى والله إنه نعم الإعجاز.
ونعلم أن أوّل النبات كانت الأعشاب والمراعي، وما من نبات إلا وهو صالح لخلق من خلق الله؛ فهي هنا أشمل مما نعهده من مرعى أنعامنا؛ فالله خلق هذه الأرض وقدّر فيها أقواتها لكل حي يدب فوق ظهرها، أو يختبئ في جوفها، أو يطير في جوها.
والمرعى يخرج في أول أمره خضرا، ثم يذوى فإذا هو غثاء، أميل إلى السواد فهو أحوى، وهو في كل حالاته صالح لأمر من أمور هذه الحياة بتقدير الذي خلق فسوّى وقد ر فهدى..

.(أمسّ الأشياء إلى الإنسان):

ثم يوقفنا التوجيه القرآني على أمسّ الأشياء إلى الإنسان، وهو طعامه وطعام أنعامه، وما وراء ذلك من تدبير الله وتقديره له: {فَلْيَنْظُرِ الأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً، فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً، وَعِنَباً وَقَضْباً، وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً، وَحَدَائِقَ غُلْباً، وَفَاكِهَةً وَأَبّاً، مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ}.
جاء في الكشاف (والحبّ: كل ما حصد من نحو الحنطة والشعير وغيرهما، والقضب: الرطبة، والمقضاب أرضه، وسمى بمصدر قضبه إذا قطعه؛ لأنه يقضب مرة بعد مرة، {وَحَدَائِقَ غُلْباً} يحتمل أن يجعل كل حديقة غلباء فيزيد تكاثفها وكثرة أشجارها وعظمها، كما تقول: حديقة ضخمة، وأن يجعل شجرها غلبا: أي عظاما غلاظا، والأب: المرعى؛ لأنه يؤب، أي: يؤم وينتجع، والأب والأم أخوان.
فالآيات السابقة بيان لقدرة الله وعظمته في الإبانة عن منشأ النبات وتعدده، والارتباط الوثيق بين الحيوان والنبات؛ فالكائن الحي لا يتغذى إلا من أصله الذي تكون منه، ولذا أمر الإنسان أن يتدبر قصة طعامه، الذي هو ألصق شيء به، وسيجد أنه من الطين والماء.
إن الله صبّ الماء من السماء صبّا، ثم شق الأرض بجذر النبات، شقّه شقّا فأنبت فيها حبّا وعنبا وقضبا.
وصبّ الماء في صورة المطر حقيقة يعرفها كل إنسان في كل بيئة، وفي أي درجة كان من درجات المعرفة والتجربة، والله الذي لا شريك له هو الذي صبّ الماء، وهو الذي قدّر أن يكون الماء العامل الأول في خلق كل نبات، ولنا عود لهذا الموضوع بعد قليل.
ثم تأتي المرحلة التالية لصبّ الماء، وهى شق الأرض شقا بجَذر النبات؛ لتتكون الجذور الممتدة خلال التربة، أو أن يشق النبت تربة الأرض شقا بقدرة الله الخالق، وينمو على وجهها، ويمتد في الهواء فوقها، وربما شقت النبتة الصفراء الملتوية الهشة الأرض الصلبة الجافة، أو الصخرة العاتية نافذة إلى أعلى مكوّنة الساق والأوراق.
إذن على الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به قوامه، كيف تفضل الله به عليه؛ فصار في أشد الحاجة إليه، وكيف حوّل الله له بعض عناصر الأرض طعاما هنيئا في شكل جميل ولون جذاب، وطعم مستساغ حلو المذاق.
وجعل الله هذا الأصل الواحد أزواجا وأشكالا، من حيث هو مأكول كالقمح والذرة والفول وغيرها من البقول، أو هو فاكهة لذيذة كالعنب والنخيل، وغير هذا كثير مما يؤكل قضبا كالقثاء والتفاح، وهذه الحدائق الفيح الملتفة الأغصان، وهذه السهول الخضر.. كلها متاع للإنسان والأنعام.
والنبات إنما ينشأ من تراب وماء، والله هو الذي أوجد الماء، وأنزله من السماء بنظام وقدر موزون،